ابن عجيبة

134

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم يا محمد أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : نعبد ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا من الأصنام الجامدة ، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا أي : نرجع إلى الشرك بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ وأنقذنا ، ورزقنا الإسلام ، وهذا على الصحابة . وأما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يتقدم له شرك ؛ لعصمته ، أي : كيف نرد على أعقابنا ردا كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ، أي : أضلته مردة الجن عن الطريق المستقيم ، فذهب فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ ؛ متحيرا ضالا عن الطريق ، لَهُ أَصْحابٌ أي : رفقة يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أي : إلى الطريق المستقيم ، يقولون له : ائْتِنا وكن معنا لئلا تتلف . وهو مثال لمن ترك الإسلام وضل عنه . قُلْ لهم : إِنَّ هُدَى اللَّهِ ، وهو الإسلام ، هُوَ الْهُدى وحده ، وما عداه ضلال . وَ قد أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ نكون على الجادة من الهدى ، وَ أمرنا أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ أي : أمرنا بإقامة الصلاة والتقوى ، روى أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان ، فنزلت ، وعلى هذا أمر الرسول بهذا القول ؛ إجابة عن الصديق تعظيما لشأنه ، وإظهارا للاتحاد الذي كان بينهما . قاله البيضاوي . وقال ابن جزى : ويبطل هذا قول عائشة : ما نزل في آل أبي بكر شئ من القرآن إلا برائتى . ه . قلت : ليس بحجة ؛ لصغر سنّها وقت نزول الآية بمكة ، والإسلام يمحو ما قبله . ثم قال جل جلاله : وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يوم القيامة ؛ فيظهر من تبع الحق من الباطل . وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، أي : قائما بالحق والحكمة ، فهو أحق بالعبادة وحده ، وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ أي : قوله العدل حاصل يوم يقول للبعث والحشر : كن فيكون ، وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي : انفرد الملك له يوم ينفخ في الصور فيقول : لمن الملك اليوم ؟ فلا يجاب ، فيقول : لله الواحد القهار ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي : هو عالم بما غاب وما ظهر ، وَهُوَ الْحَكِيمُ في صنعه ، الْخَبِيرُ بأمر عباده . الإشارة : إذا توجه العبد إلى مولاه ، وانقطع بكليته إلى اللّه ، طالبا منه معرفته ورضاه ، قد يمتحن بشئ من شدائد الزمان ؛ كالفاقة وإيذاء الخلق والأحزان ، فيقال اختبارا له : تعلق في دفع ما نزل بك بشئ من السّوى ، فيجب عليه أن يقول : أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بالالتفات إلى غير ربنا ، بعد إذ هدانا اللّه إلى توحيده ومعرفته ، ونكون كالذي استهوته الشياطين في الأرض ، حيران بالتفاته إلى غير الكريم المنان ، قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ أي : هدايته الخاصة ، وهي الانقطاع إليه وحده في الشدائد ، هُوَ الْهُدى ، وقد أمرنا بالانقياد بكليتنا إلى ربنا ، وأمرنا إذا حزبنا شئ بإقامة الصلاة ؛ لأنها مفتاح الفرج ، وبالتقوى ؛ لأنها سبب النصر ؛ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، وآخر أمرنا الموت والحشر إلى ربنا ، والاستراحة إلى الروح والريحان . وبالله التوفيق .